الحكيم الترمذي

121

كيفية السلوك إلى رب العالمين

وقال عزّ وجل : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء : 35 ] . وقال عزّ وجل : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ العنكبوت : 3 ] . وقال عزّ وجل : وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المدثر : 31 ] . ويقال للذي نفى العلة : يؤخّر في مخاطبتك بمسألة ، فإن خرجت منها وإلا فقد كفينا أمرك . حدّثنا عن اللّه - تبارك وتعالى - أنه أمر العباد بما أمر ونهاهم عما نهى جزافا أم من الحكمة ؟ فإن قال : جزافا ، فقد أهمل وعطل الأمر نسبة إلى اللعب . وإن قال : من الحكمة خرج الأمر والنهي إلى العباد ، قيل له : فهات تلك الحكمة ما هي ؟ فهل أنت إلا عاجز عن الحكمة وعن دركها ؟ إلا أنك مسلوب نور الحكمة ، وصدرك مشحون بدخان الشهوات ، فإن حريقها يدخّن الصدر ويظلمه . فإن أتيت من هذا قال له قائل : اشرح لي هذا الباب . قال : نعم إن اللّه - تعالى - فضّل العلماء بهذا العلم ، فمن رعاه حق رعايته أتاه ظاهر العلم وباطنه ، وظاهره على اللسان ، وهو حجة اللّه على خلقه ، وباطنه في القلوب . فذلك العلم النافع : وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « العلم علمان : فعلم في القلب فذلك العلم النافع ، وعلم على اللسان فذلك حجة اللّه على ابن آدم » « 1 » . والحكمة ما بطن من العلم ، والباطن هو لباب الشيء ، والظاهر هو قشر الشيء والانتفاع باللباب لا بالقشر ، والعلم وديعة اللّه - تعالى - في الصدور ، والوديعة أمانة فمن خان الأمانة حرم لبابه ، وإنما يبقي معه قشره ؛ فمثله كمثل جوزة عفنة ، أو بيضة مدرة باطنها ميتة وظاهرها طيبة ؛ وكمثل الفتيلة تحرق نفسها وتضيء لغيرها فلمّا تركوا رعايتها خانوا الأمانة . قال له قائل : وما

--> ( 1 ) رواه الدارمي في السنن ، باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير اللّه ، حديث رقم ( 364 ) [ 1 / 114 ] والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، حديث رقم ( 2179 ) [ 4 / 346 ] .